تاريخ النشر 18 يوليو 2014     بواسطة الدكتور عبدالواحد نصر المشيخص     المشاهدات 201

زراعة الكبد

تعتبر الكبد من أعضاء الإنسان المهمة التي لا يمكن العيش دونها. وهي أكبر عضو في جسم الإنسان، إذ يبلغ وزنها 1500 جرام وتحتل الجانب العلوي الأيمن من البطن تحت الحجاب الحاجز مباشرة. وقد تتعرض الكبد لكثير من الأمراض التي تؤدي إلى تليفها وبالتالي فشلها وعدم قدرتها على تأدية وظائفها المهمة على أكمل وجه.
 وللكبد وظائف كثيرة فهي تعمل كمصفاة للدم، فإذا ما تعطلت تسمم الدم وتأثرت وظائف أعضائه المهمة وخاصة المخ. ومن وظائف الكبد نذكر على سبيل المثال لا الحصر :

* تخزين المواد الكربوهيدراتية الفائضة كجلايكوجين محافظة بذلك على نسبة تركيز السكر في الدم. 
* تصنيع كثير من المواد البروتينية المهمة كعناصر التخثر.
* تصنيع المواد الدهنية كالفسفوليدز والكولسترول إنتاج العصارة الصفراوية.
* تخزين عدد من الفيتاميناتA. D. K. B12
* القيام بعمليات الأيض لعدد كبير من الأدوية.

وترجع محاولة زرع أول كبد لإنسان إلى ما يقارب الثلاثين عاما، حيث قام بإجراء هذه العملية د. توماس ستارزل في عام 1963 م ، إلا أن المريض توفي أثناء العملية. وهذا ما حصل لسبعة مرضى آخرين في كل من دنفر وبوسطن وباريس. وفي عام 1967 م، تمكن د. ستارزل من زرع كبد لطفلة صغيرة عاشت لأكثر من عام, بعد إجراء العملية. وفي عام 1982 م ، عقد مؤتمر طبي في أمريكا تقرر في ختامه أن عملية زرع الكبد قد خرجت من حيز التجارب والأبحاث إلى عالم التطبيق، واعتبرت العلاج الوحيد الموجود لكثير من أمراض الكبد المزمنة.

وفي العام نفسه، استعمل كل من د. كالن في كامبيردج البريطانية ود. ستارزل في بيتسبيرج الأمريكية دواء السايكلوسبورين (Cyclosporin A) لأول مرة لتخفيض المناعة وللتقليل من نسبة رفض الجسم للكبد المزروعة مما أدى إلى تحسن هائل في نتائج العملية وارتفاع نسبة حياة المرضى بعد مرور عام على زراعة الكبد من 35 في المائة إلى ما يقارب 85 في المائة، محدثا بذلك طفرة تقدم عظمى في عالم زراعة الأعضاء عامة.

وفي عام م 1988 تمكن د. بيلزر من تحضير محلول أسماه محلول جامعة " وسكنسون " لحفظ الكبد المستأصلة به، لمدة أطول مما هو متعارف عليه في السابق، إلى حين زراعتها، حيث كان حفظها في السابق يتم في محلول يسمى يوروكولين أو"مارشال". لقد قلل هذا المحلول من نسبة المضاعفات الجراحية، وأعطى الأطباء فرصة توفير مريض آخر في حالة عدم لياقة المريض الذي ستجرى له العملية طبيا لسبب أو آخر.

وقام د. بزموث بفرنسا في عام 1989م بزراعة جزء من كبد متبرع بالغ لطفل مريض. وبهذه الطريقة قل عدد الأطفال الذين يموتون قبل توافر كبد مناسبة من طفل آخر لقلة عدد الأطفال المتبرعين بأعضائهم. وفي العام نفسه تم إجراء عملية زرع جزء من كبد امرأة حية لابنها المريض، فقد فتحت هذه العملية الباب لهذا النوع من التبرع في الدول التي تعاني نقصا شديدا في عدد المتبرعين.

متطلبات التبرع وشروطه

هناك شروط يجب استيفاؤها في الشخص المتبرع بأعضائه قبل استئصالها. أول هذه الشروط هو أن تشخص حالته بالوفاة الدماغية من قبل طبيبين لا علاقة لهما بعمليتي الاستئصال أوالزرع، يجري كل منهما فحوصاته على حدة ويعيدها للتأكد التام من تشخيص الوفاة الدماغية. بعد هذا يجب أن تكون هناك موافقة تامة، عن طيب نفس ومن غير مقابل، من ذوي المريض للتبرع بأعضائه. ومن الشروط الأخرى التي يجب استيفاؤها قبل الشروع بعملية التبرع ما يلي :

- ألا يقل عمر المتبرع عن 6 أشهر ولا يزيد على 55 عاما.

- أن تكون حالته العامة مستقرة في وحدة العناية المركزة.

- أن يكون سليما من أي ورم من الأورام الخبيثة (تستثنى من ذلك أورام المخ).

- أن يكون سليما من أي التهاب جرثومي عام أو أي تسمم بالدم.

- ألا يكون مصابا بأي مرض من أمراض الكبد.

ويحتاج المريض لزراعة الكبد في حالة تليف كبده الأصلية وفشلها. وهناك عدد من الأمراض التي قد تؤدي للتليف منها الالتهاب الكبدي الفيروسي وخاصة الناتج عن فيروسي B وC المنتشرين في أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، والتليف الناتج عن إدمان الكحول والتسمم بعدد معين من الأدوية والمواد الضارة بالكبد. وهناك عدد آخر من الأمراض التي قد تؤدي إلى الفشل الكبدي كالتليف المراري الأولي والتليف الكبدي الكريبتوجيني والتليف المراري الأولي المتصلب، أما في الأطفال فأكثر الحالات التي تحتاج إلى زراعة للكبد يكون سببها الانضمار الخلقي للقنوات المرارية.

ويحتاج أي نظام لزراعة الكبد إلى تنسيق معقد ودقيق لإنجاحه.، فبعد تشخيص المريض وإعلان حاجته إلى كبد جديدة من قبل أطباء أمراض الكبد يقوم الفريق الجراحي بتقويم المريض وشرح الأمور المتعلقة بعملية الزراعة نفسها له. ثم يقوم منسق زراعة الأعضاء بإجراء مقابلة مع المريض يشرح خلالها السبل والظروف التي قد يتم استدعاؤه فيها من بيته في أي وقت من الأوقات عند توافر كبد مناسبة له. وقد يطول انتظار المريض أشهرا قبل أن تتوافر له كبد مناسبة. وتتعقد الأمور أكثر عند توافر كبد، فهناك اتصالات متعددة وساخنة تتم بين منسق زراعة الأعضاء في المستشفى المتبرع والمنسق في المستشفى المتبرع إليه، يتم بعدها تحديد الشخص الأنسب الذي ستمنح له الكبد الجديدة ، اعتمادا على عدة معلومات يتوافق فيها المتبرع والمتبرع له منها : عرض الخصر والوزن وفصيلة الدم. ويستدعى الشخص المختار ليأتي على جناح السرعة ليتم تحضيره للعملية وللتأكد من صلاحيته طبيا لها. وفي الوقت نفسه يرحل فريق جراحي بكامل عدته وعتاده إلى المستشفى المتبرع، حيث تجرى عملية استئصال الكبد من الشخص المتبرع الذي شخص مسبقا بأنه توفي دماغيا. كما يتم أثناء العملية استئصال أعضاء أخرى كالقلب والرئتين والكليتين والبنكرياس والقرنيتين إذا ما كان هناك إذن مسبق من أقارب المريض باستئصال هذه الأعضاء والانتفاع بها في إنقاذ عدة أشخاص مصابين بفشل هذه الأعضاء.

وتخزن الكبد الجديدة وتحفظ في محلول وسكنسون لمدة لا تزيد على 8 إلى 12 ساعة من استئصالها، حيث تحضر في الصباح الباكر من اليوم التالي ويقوم بزراعتها فريق جراحي آخر بعد استئصال الكبد المتليفة.

بين الإنسان والإنسان

لا نجاح لعلم زراعة الأعضاء إلا بازدياد عدد المتبرعين، حيث إن عدد المحتاجين إلى زراعة الكبد حاليا يفوق كثيرا عدد المتبرعين، وهذا الفارق يزداد يوما بعد يوم. ولإيجاد حل لهذه المشكلة يعكف العلماء على تطوير إمكان زرع كبد بعض الحيوانات القريبة في تكوينها للإنسان كالخنزير والبابون للمرضى المحتاجين، الذين قد يطول انتظارهم وقد يتوفون قبل توافر كبد مناسبة لهم. وقد تمت بالفعل بعض المحاولات في عامي 1992م و1993م إلا أن الأشخاص الذين تمت لهم الزراعة توفوا بعد أقل من شهرين.

إن التبرع بالأعضاء ما هو إلا عمل إنساني نبيل يجب التذكير به في أي حالة تشخص بالموت الدماغي، كما أنه من واجب الأطباء المشرفين على مثل هذه الحالات - وإن كان الأمر من الصعوبة بمكان - إبلاغ أقارب المريض وإشعارهم في أقرب وقت ممكن، بأن التبرع بالأعضاء عمل سام، وأن فاجعتهم العظمى وفقدهم شخصا غاليا قد ينتج عنه تخفيف آلام، بل إنقاذ حياة عدة مرضى آخرين.

ولا يمكن استئصال أعضاء المريض إلا إذا كان يحمل بطاقة تسمح بالتبرع بأعضائه أو إذا وافق أقاربه طوعا على ذلك. وكم من مريض تم تشخيص وفاته دماغيا ولم يستطع الأطباء استئصال أعضائه والاستفادة منها لإنقاذ حياة مرضى آخرين، لعدم جرأة الأطباء المشرفين على علاج مثل هذه الحالات على التحدث مع أقارب المريض بشأن التبرع النبيل بالأعضاء، أو بسبب رفض أقارب المريض موضوع التبرع رفضا باتا دون التفكير بروية في الموضوع.

رأى الفقهاء

وقد أباح فقهاء الإسلام التبرع بالأعضاء وأجازوا نقلها من مريض متوفى دماغيا وزرعها في مريض آخر محتاج، شريطة وجود إذن مسبق من المريض أو ولي أمره، وأن تصان كرامته وألا تنتهك حرمته، وأن تجرى عملية استئصال الأعضاء بدقة وعناية كما تجرى أي عملية جراحية لإنسان حي. ودون التبرع يبقى علم وجراحة زرع الأعضاء علما لا فائدة منه لإنقاذ أو تحسين حياة العدد المتزايد من مرضى الفشل المزمن، الذي قد يصيب القلب أو الكبد أو الكلى.

وحبذا لو حذونا حذو الدول الغربية من حيث حمل بطاقات التبرع بالأعضاء من قبل أي فرد موافق على التبرع بأعضائه في حالة أي حادث قد يؤدي إلى الموت الدماغي. وربما كان الأمر أيسر لو خصصت فقرة في رخص القيادة تحمل توقيع الشخص الموافق على التبرع بأعضائه طوعا في حين وفاته دماغيا، وتحديد الأعضاء الموافق على التبرع بها كالقلب، والرئتين والكبد والكليتين والبنكرياس والقرنيتين، وكذلك إجراء مناقشات دورية يشارك فيها الأطباء المختصون وعلماء الدين ونخبة من عامة الناس، وتروج لها جميع وسائل الإعلام. وقد يزداد إدراك الناس لأهمية التبرع إذا ما قام حفنة من الأطباء المختصين وعلماء الدين بإعطاء محاضرات دورية لطلبة وطالبات المدارس الثانوية والمعاهد والكليات والجامعات ليزداد إدراك الجميع لموضوع التبرع بالأعضاء.

بهذه الطريقة نكون قد وفرنا على كثير من المرضى المصابين آلام المرض والتغرب الطويل الذي قد يدوم أشهرا في دول تزداد الفجوة فيها بين عدد المتبرعين بأعضائهم والمحتاجين إليها يوما بعد يوم. وبذلك، إذا ما توافرت الخبرات الطبية الوطنية، نكون قد أصبحنا في عداد الدول المتقدمة في زراعة الأعضاء.


أخبار مرتبطة