تاريخ النشر 21 يوليو 2014     بواسطة الدكتور عبدالواحد نصر المشيخص     المشاهدات 201

إنهم يزرعون الأمعاء.. الدقيقة! عبد الواحد المشيخص

هل أصبح الإنسان في عرف الجراحات الحديثة آلة كبيرة عندما يعطب فيها جزء يلزم أن يستبدل بقطعة غيار مناسبة في مكان الجزء المطلوب؟ لم تقتنع السيدة دافيس برأي المختصين البريطانيين في حالة ابنتها "لورا" البالغة من العمر 4 سنوات والمصابة بفشل في الكبد والأمعاء الدقيقة فراحت تجمع التبرعات. وقد ساعدتها
 مختلف وسائل الإعلام البريطانية كثيرا فروجت لحالة ابنتها التي وقف الطب عاجزا عن علاجها فاستدرت عطف الشعب البريطاني كافة مما مكنها من جمع مبالغ طائلة في فترة زمنية قصيرة. واتجهت السيدة دافيس بابنتها إلى مدينة بتسبيرغ الأمريكية. وهناك قام الأطباء بزرع كبد وأمعاء دقيقة في آن واحد للطفلة "لورا". وتناقلت وكالات الأنباء العالمية خبر السبق الطبي واستبشر الناس المتابعون للحالة فيما استقبل الأطباء البريطانيون الأمر بكثير من التحفظ. إلا أن الحزن خيم مرة ثانية على قلب كل من تابع قصة "لورا دافيس" عندما أعلن الأطباء بأن حالتها خطيرة جدا بعد فشل الأعضاء المزروعة لها, وماتت "لورا بعد أسابيع من العملية. لقد لفتت قصة "لورا دافيس" الانتباه إلى الصعوبات الجمة التي تواجه عملية زراعة الأمعاء الدقيقة, فما هي الصعوبات وهل هناك مدعاة للأمل؟

تمتد الأمعاء الدقيقة من نهاية الاثنى عشر إلى نهاية الصائم وبداية المصران الأعور, وقد يحسب بعض الباحثين الاثنى عشر كجزء من الأمعاء الدقيقة. ويختلف طولها من شخص إلى آخر, إلا أن معدل طولها عند الولادة يبلغ 250سم بينما طول القولون 50سم. أما معدل الطول عند البالغين فيبلغ 600سم والقولون 150سم. ومن الجدير ذكره أن باستطاعة الإنسان أن يعيش طبيعياً بما قدره 30سم من الأمعاء الدقيقة إذا ماترك أيضا الصمام الواقع بين الصائم والأعور. والوظيفة الكبرى للأمعاء هي امتصاص المكونات الرئيسية للغذاء المهضوم. فإذا فشلت الأمعاء تعطلت هذه الوظيفة المهمة.

ويصاب في كل عام ما يقارب 50 شخصا في بريطانيا وحدها بفشل الأمعاء الدقيقة مما يتطلب توفير مايحتاجون إليه من غذاء عبر قسطرة توضع في أحد الأوردة الكبرى في العنق. لمثل هؤلاء المرضى, هناك بصيص أمل يبزغ في سماء جراحة زرع الأعضاء وهو زراعة الأمعاء الدقيقة. إلا أن نجاح مثل هذه العملية في وقتنا الحاضر لايزال ضئيلاً نظرا لعدد من الصعوبات. وقصة "لورا دافيس" خير دليل على ذلك.

لقد أثبتت التجارب المخبرية في أواخر الخمسينيات إمكان زراعة الأمعاء الدقيقة إلا أن الأدوية المثبطة للمناعة لمنع ميكانيكية رفض الأمعاء المزروعة في ذلك الوقت لم تكن قد بلغت من التطور ماهي عليه الآن. وكانت أول عملية زرع لإنسان في عام 1967م على يد ليللهي "Lillehei" إلا أن الموت كان حليف المتبرع إليه. وقد أجبرت بعض الحالات المستعصية والميئوس من شفائها في الستينيات والسبعينيات بعض الباحثين في أوربا على إجراء عمليات زراعة للأمعاء الدقيقة لم تكتب الحياة لأصحابها إلا أياما معدودات بسبب الرفض والالتهابات المميتة وتسمم الدم. وفي عام 1989م أجرى ديلتز"Deltz" أول عملية زرع ناجحة, مستخدما أمعاء إنسان على قيد الحياة.

ومن الأمراض التي تنتاب الأمعاء فتؤدي إلى فشلها وبالتالي إلى الحاجة إلى زراعة: انسداد الأمعاء الخلقي "Small Bowel Atresia" والتواء الأمعاء المؤدي إلى تنكرز في الأمعاء"Volvulus Small Bowel" وتنكرز الأمعاء التقرحي "Necrotizing Enterocolitis" هذا في الأطفال, أما في البالغين فأهم مرض هو مرض كرون "Crohn's Disease" والحاجة المزمنة للتغذية عبر الوريد بسبب فقد الأمعاء الدقيقة لأي سبب من الأسباب مثل تجلط الأوعية المساريقية والاستئصال الجراحي.

وتؤخذ الأمعاء مع أعضاء أخرى كالكبد والقلب والكليتين والبنكرياس والقرنيتين من مريض شخصت حالته بالوفاة الدماغية لأي سبب من الأسباب, على أن تكون هناك موافقة من المريض قبل وفاته أو من أقرب المقربين إليه على التبرع بأعضائه دون أي مقابل مادي وعن طيب خاطر. ويشترط للمتبرع بأمعائه مايشترط من أي متبرع بعضو من أعضائه وهو أن تكون حالته العامة مستقرة في العناية المركزة وألا يكون مصاباً بتسمم في الدم أو بأمراض سرطانية خبيثة "يستثنى من هذا أورام المخ" وألا يكون مصابا بأي مرض يصيب الأمعاء الدقيقة. كما يشترط أن توافق فصيلة دمه ووزنه فصيلة دم ووزن المتبرع إليه. وقد يكون المتبرع إنسانا حيا من أقارب المتبرع إليه المقربين, يؤخذ جزء من أمعائه الدقيقة لايؤثر على حالته الصحية ويكون كاف لحل مشكلة المريض الأساسية.

وهناك عقبات تجعل من نجاح هذا النوع من الزراعة أقل تفاؤلا من زراعة غيره من الأعضاء. من أهمها التركيبة الفسيولوجية والنسيجية للأمعاء الدقيقة, فهي تتكون من أنبوبة مبطن جدارها بغشاء يحتوي على غدد تفرز كمية هائلة, تبلغ 6 لترات يومياً, من الإنزيمات الضرورية للهضم وكذلك على عدد كبير من الغدد الليمفاوية. فالإنزيمات تجعل من حفظ الأمعاء المتبرع بها قبل زراعتها أمرا عسيرا بسبب هضم هذه الإنزيمات للعضو. وأما الغدد الليمفاوية فتعمل كمعقل للخلايا التي تشب فتيل حرب الرفض ضد العضو الجديد المزروع باعتباره جسما غريبا. أضف إلى ذلك أن من أهم وظائف الأمعاء الدقيقة هي امتصاص الغذاء وحفظ البكتيريا داخل الأمعاء فجداره العازل يعمل كدرع واق يمنع هذه البكتيريا من العبور إلى التجويف البريتوني ومن ثم إلى الدم. وقد يكون من المستحيل في المراحل الأولى من الزراعة أن تتمكن الأمعاء المزروعة من القيام بهاتين الوظيفتين المهمتين على الوجه الأكمل مما يجعل البكتيريا الموجودة بالأمعاء قادرة على اختراق هذا الجدار الواقي مسببة تسمماً ينتج عنه فشل في أعضاء أخرى مهمة يترتب عليها وفاة المريض.

وقد يرفض الجسم الأمعاء الجديدة على اعتبار أنها غريبة رغم تعاطي الأدوية المخفضة للمناعة. ولكن نسبة الرفض أقل إذا ما استخدمت بعض الأدوية الجديدة مثل FK506والأدوية المخفضة للمناعة لاتخلو من المضاعفات أيضا وخصوصاً إذا ما أعطيت بجرعات عالية للتقليل من نسبة الرفض التي تفوق غيرها بعد زراعة الأعضاء الأخرى. كما أن 15% من المرضى الذين زرعت لهم أمعاء يتعرضون إلى الأصابة بسرطان الغدد الليمفاوية "Lymphoma" أكثر من غيرهم. وأنه عند زراعة الأمعاء لابد من عمل فغرة للأمعاء "Ileostomy" في الجزء السفلي الأيمن من البطن. وعلى الرغم من أن هذه الفغرة مهمة جدا لتشخيص حالات الرفض فإنه قد يصاحبها عدد لايستهان به من المضاعفات منها الانكماش والتدلي والنزيف, وفقد كميات كبيرة من السوائل في بادئ الأمر وغيره. ثم هناك السؤال المحير, ما العمل إذا رفض الجسم الأمعاء الجديدة رفضا مزمنا? كل هذه الأمور لابد أن توازن مع المنافع التي قد يستفيد منها المريض من الزراعة وأهمها التخلص من التغذية الوريدية. لذلك هناك جوانب عدة من زراعة الأمعاء تحتاج إلى أجوبة مقنعة.

لقد شهدت الثمانينيات تطورات مهمة في علم زراعة الأعضاء أحدثت ثورة عارمة قلما شهد لها مثيل في عالم الطب هذا القرن. لقد ألهبت هذه التطورات حماس الباحثين في زراعة الأمعاء من جديد بعد أن أخذ اليأس منهم كل مأخذ. من أهمها اكتشاف دواء السايكلوسبورين "Cyclosporin" الخافض للمناعة على يد كالن "Calne" في كامبردج البريطانية في عام 1984م مما حسن من نتائج زراعة كثير من الأعضاء. كما أن نتائج زراعة الكبد والأمعاء الدقيقة في آن واحد لمرضي الفشل الكبدي والأمعاء التي قدمها جرانت "Grant" وزملاؤه في عام 1989م قد شجعت الباحثين في بيتزبيرج من القيام بدراسة مقارنة للمرضى الذين أجريت لهم زراعة كبد وأمعاء في آن واحد وعولجوا بدواء السايكلوسبورين وهؤلاء الذين عولجوا بدواء GK506 الجديد. لقد وجد هؤلاء الباحثون أن نتائج المرضي المعالجين بدواء FK506 أفضل بكثير من الآخرين. كما أن نتائج زرع الكبد والأمعاء في آن واحد لمرضى الفشل الكبدي والأمعاء أفضل من زراعة الأمعاء مفردة لمرضى الفشل الأمعائي فقط.

وحيث إن العقبات قد عرفت الآن, والنتائج المبدئىة المشجعة لزراعة الأمعاء الدقيقة على ضوء التطور الهائل الذي أحرز في علم الأدوية المخفضة للمناعة وفي المحاليل الحافظة للأعضاء وكذلك في الجراحة نفسها فهناك بصيص من الأمل. والأمل المرجو أن يتمكن الباحثون من إيجاد سبل لتحسين النتائج عند المحتاجين لزراعة الأمعاء فقط. وفي هذا النوع الذي يعتبر من أعقد عمليات زراعة الأعضاء قد يكون الطريق محفوفا بكثير من المصاعب والفشل الذريع المحبط للعزيمة ولكن لابد أن نضع نصب أعيننا الحقيقة القائلة بأن ما كان حلما بألامس يكون حقيقة اليوم سيكون أمرا روتينيا غدا, وهذا ماحصل فعلا في زراعة الأعضاء الأخرى كالكبد والقلب والكلى. إلا أن المشكلة الكبرى في علم زراعة الأعضاء كافة, تبقى شحة عدد المتبرعين بأعضائهم وكثرة المحتاجين إلى الزراعة مما يزيد الهوة بينهما يوماً بعد يوم. ودون حل لهذه المشكلة يبقى علم زراعة الأعضاء لانفع منه للمرضى الذين طال انتظارهم على قائمة الانتظار دون توفر أعضاء مناسبة لهم وماتوا وهم ينتظرون.

 


أخبار مرتبطة