تاريخ النشر 16 فبراير 2015     بواسطة الدكتور حمد علي زيد الصفيان     المشاهدات 201

العقم لم يعد سبباً للطلاق في السعودية

مع التقدّم العلمي والطبي الذي اكتسح شتى مجالات الحياة وآثاره الإيجابية الواضحة في تقدّم الشعوب والأمم، ما دفع بحياة الفرد والمجتمعات خطوات متسارعة نحو الارتقاء والتزدهار، أصبح في مقدور الإنسان أن يتغلّب على أمراض كثيرة، فيما كانت تفتك بجسده منذ قرون ويعجز عن علاجها. ويشهد عالم الطب البشري حالات
 عقم كثيرة توصل إلى علاجها وإيجاد حلول مناسبة لها، ما عكس ذلك من تأثير في المجتمع الذي بات يصنّفها بحالات غير مستعصية وإمكان التغلّب عليها، إذ ساهم الطب أخيراً مع تطوره وتعدد وسائله إلى الحيلولة دون تفكك أسر حُرمت من نعمة الإنجاب منذ أعوام، وأضحت أسراً أنعم الله عليها بذرية واستقرار نفسي واجتماعي.
عانت أم أروى وريما من عقم دام أكثر من ستة أعوام، وتقول: «كنت في حالة نفسية سيئة، وكان همي الأول في الإنجاب إرضاء أهل زوجي، إذ كانوا يتساءلون بإلحاح عن عدم إنجابنا، ما جعلني أهرع إلى مراجعة المستشفيات والمراكز العلاجية باستمرار، خوفاً من أن يتزوج زوجي بأخرى أو يطلقني». وتذكر أنها مع المحاولات المستمرة وفقها الله ورزقها بالذرية، وكانت باكورتهما طفلتين توأمين ثم أنجبت مولوداً ذكراً.
أما أبو محمد الذي يتوق إلى الأطفال، فقد خضع للعلاج أعواماً، وزار مراكز متخصصة في مستشفيات داخل السعودية وخارجها. كما تزوّج بفتيات ونساء لديهن أطفال، لكن من دون جدوى. ويقول: «في أحد الأيام كنت ذاهباً لأداء صلاة الفجر في المسجد، وإذ بي أرى رضيعاً ملقى بجوار إحدى بوابات المسجد، فلم أستطع مقاومة رغبتي في حمله. فانتشلته وأسرعت به إلى بيتي وأعطيته إلى زوجتي الأولى لتحسن رعايته ولتكون له أماً، وتكفلنا بتربيته كأنه ابن لنا».
ويكمل أبو محمد متابعاً: «بعد أن بلغ الصبي نحو سنتين من عمره، إذ بي أجد رضيعاً آخر وهذه المرة أمام باب بيتي، فلم أتردد في ضمه إلى كنفي ليصبح أخاً للأول».
ويوضح أبو محمد أنه أغدق على الطفلين «اللقيطين» الحب والرعاية تماماً كأنهما ابناه اللذان حرم منهما حتى كبرا وأصبحا رجلين، أحدهما أستاذ في سلك التعليم، والآخر يعمل في تجارة العقارات مع والده الذي فتح الله عليه بعد تربيته لهما أبواب الرزق الوفير، وأصبح من أثرياء منطقته. ويضيف أن إبنيه اللذين تبناهما تزوجا وأنجبا من الذرية ما عوّضه عن سنوات من الحرمان.
في المقابل تفيد أم صالح بأنها يئست من الإنجاب بعد محاولات متكررة لعمليات الحمل بالأنابيب، «بعدما لاحظت أن محاولاتي باءت بالفشل. خاب أملي ودخلت في موجة من الإحباط والأسى». وهي لا تريد الانفصال عن زوجها، لأنها تحبه ويعود ارتباطهما إلى أكثر من 15 عاماً. لكن شجعها في المرة الأخيرة على خوض محاولة أخرى تكللت بالنجاح ولم تصدق حينها، «كان الفرح يغمرني وكنت أفكر طوال فترة حملي بالطفل الذي سأنجبه، وأريد أن أطمأن عليه، خصوصاً أني مصابة بالسكر. وكنت في شوق إلى رؤيته واحتضانه». وقد تحقق حلمها بعد طول انتظار ومعاناة، إذ أنجبت طفلاً بصحة جيدة، كبر وبلغ الآن المرحلة الابتدائية في المدرسة.
أما قصة ريم فمختلفة. هي امرأة جميلة تزوجت من رجل تحبه ويحبها كثيراً لكنها لم تنجب منه. فلم يرزقهما الله بأطفال على رغم أنهما طرقا أبواب مراكز كثيرة لعلاج العقم. فقررت بعد أن أمضت مع شريكها 15 عاماً ويئست من علاج ضعفه أن تنفصل عنه. وكاد قلبها ينفطر حزناً وألماً على قرار الفراق، لما تكّن له من الحب الكبير، وتزوجت بآخر رغبة في الإنجاب. واستمر زواجها منه شهراً واحداً وطلقها، لكنها لم تيأس وتزوجت مرة أخرى بعد انتهاء العدة مباشرة، لتشبع غريزة الأمومة في داخلها واستمر الزواج نحو عامين، ولم يكتب لها الأولاد معه، وطلبت الطلاق ليعود بها المطاف إلى زوجها الأول الذي ما زال ينتظرها. حينها، وصلت إلى منعطف طي صفحة بحثها الدؤوب عن الأمومة، متجهة بتفكيرها صوب تربية طفل يتيم.
ابتدائي وثانوي
ويشير استشاري طب التكاثر وعلاج العقم وأطفال الأنابيب الدكتور حمد الصفيان إلى ارتفاع نسبة الوعي لدى المجتمع بمقدرة الطب في علاج حالات العقم. ويلفت إلى أن «حالات الانفصال بين الزوجين لسبب عدم الإنجاب قلّت، إثر تطور الطب الحديث وتسخير إمكاناته لمعالجة معظم حالات العقم». وقدّر نسبة الأفراد في المجتمع السعودي الذين يتقبّلون حالات العقم ويؤمنون بعلاجها بحوالى 75 في المئة.
ويحدد الصفيان العقم بنوعين: عقم ابتدائي ويعني عدم الإنجاب بعد مرور أكثر من عام على الزواج، فيما يُعد التوقّف عن الإنجاب بالعقم الثانوي، لافتاً إلى أن للنوعين حلولاً طبية كفيلة بعلاجهما وفق الحالة وأسبابها. وذكر أن نسبة نجاح العمليات كانت لا تزيد عن 50 في المئة، وبلغت أخيراً الـ 90 في المئة. وذكر أن نسبة الخلل في الزوجة تعادل نسبتها في الزوج، أي تقدّر لدى كل منهما بـ 30 في المئة، فيما تصل نسبة الضعف لعوامل مشتركة بين الزوجين إلى 20 في المئة. وتبقى نسبة الـ 20 في المئة لحالات لا تفسير لها مفسرة، وربما تتدنّى إلى 10 في المئة فقط، ما يتضح معه أن نسبة نجاح عمليات حالات العقم قد تصل إلى 90 في المئة.
وتتنوّع مراحل العلاج وفق أسباب الحالة. ويشرحها الصفيان قائلاً: «نلجأ إلى عمليات المناظير لفتح الأنابيب المقفلة، أو إجراء دوالي للزوج، أو قد نلجأ إلى عمليات التنشيط وإعطاء أدوية. وفي حالات أخرى نستخدم الحقن الصناعي، أو السحب المجهري وطرق الحمل المساعدة». وأضاف: «في كل الحالات لا نُحمّل القصور على أحد الزوجين، إنما نعتبر الأمر حالة وتتطلب احتواءها، ونتشارك جميعاً الطبيب بعمله ووسائله الطبية، وكذلك الزوجين في سبيل الوصول إلى مرحلة إنجاب الذرية». وكشف أنه تمت معالجة حالة أخيراً، يعاني صاحبها من أمراض مختلفة ومنها الفشل الكلوي، ورزق الزوجان بتوأم بعد عقم دام 11 عاماً.
من جهة أخرى، ربما يصاحب المريض الذي يعاني من العقم عوارض نفسية وحالات من الاكتئاب تتطلّب من بعضهم اللجوء إلى الاستشارات أو الطب النفسي.
ويشير استشاري الطب النفسي الدكتور عبدالله السبيعي إلى أن «الفئة التي تطلّب الاستشارة أو المعالجة النفسية نتيجة حالات العقم تكون غالباً من النساء، اللاتي ينتابهن حالات من الإحباط والاكتئاب والحزن، وإن لم تصل إلى حد الحالة مرضية، إنما يعانين من الحيرة والتردد في اتخاذ قرار البقاء مع الزوج من دون ذرية، أو الانفصال عنه في سبيل البحث عن الإنجاب مع رجل آخر»، لافتاً إلى أن علاج مثل هذه الحالات لا يستغرق أكثر من جلستين إلى ثلاث «غير دوائية»، يتم خلالها مساعدة الزوجين على اتخاذ القرار المناسب الذي يشعرهما بالاستقرار والثبات، معتبراً أن الطب النفسي مكمّل للطب البشري في بعض الحالات من أجل استكمال مراحل العلاج.


أخبار مرتبطة